الاتجاه الرمزي في مسلسل "بيا ولا بيك": صراع الدين والسلطة والمال

مسلسل بيا ولا بيك

نبذة مختصرة عن قصة مسلسل بيا ولا بيك

في رمضان الأخير تم عرض مسلسل بيا ولا بيك على قناة الأولى المغربية، مسلسل مغربي درامي أخرجه مراد الخودي، يحكي قصة مسك الليل، قرية صغيرة يعيش أبناؤها من جبل تراب يُصنع منه الآجُرّ في معمل مخصص لذلك، ورثته الحاجة من زوجها المتوفى عنها، تتطور الأحداث بعد ذلك بشكل متسارع، فبعد وفاة الحاجة وتوصيتها بكل أملاكها لرحمة، تلك الفتاة البدوية التي صار لزامًا عليها حمل عبء مسؤولية أكبر منها بكثير، كما سيتعين عليها حماية ساكنة الدوار في مواجهة الجشعين الذين يريدون تهجير أهل القرية وبناء مشروعهم على أرضها.

إن هذا المسلسل الدرامي لم يأخذ حقه الكامل في النجاح والتألق، مسلسل همّشته موضة البوز لصالح مسلسل آخر لم يستحق كل هذه الضجة التي افتعلت من أجله، نتحدث في السياق الدرامي المحض، بعيدا عن كل نقاش إيديولوجي أو ديني، فقد كان لمسلسل بيا ولا بيك كل المقومات الدرامية والفنية لجعله مسلسلا ناجحا ومتميزا، بل والأكثر من هذا، وهو ما أود مناقشته في هذا المقال، يحمل المسلسل أبعادا رمزية عميقة، تجعلها، حقيقيةً، مرتعا خصبا للنقاد في سبر أغوار شخصيات المسلسل ومساراتها الدرامية، واستخلاص أهم الاتجاهات الرمزية الحاضرة في بناء المسلسل.

الاتجاه الرمزي في مسلسل بيا ولا بيك

إن مركزية أحداث المسلسل تدور بالخصوص حول صراع طبقة فقيرة تخدم الأرض لسنوات طويلة وبرجوازية متغولة تريد الزحف على كل هذا التاريخ، يتصارعان حول الإرث الذي تركته الحاجة، والتي ترمز للاستقلال الذي حظي به المغرب، هذا الاستقلال كان بداية فجر جديد من تاريخ المغرب، وكان في المسلسل بداية مرحلة جديدة من تحمل المسؤولية، من أجل تطوير مشروع معمل الآجُرّ والحفاظ على الأرض، هذه الأرض كانت المشترك الوحيد بين شخصيات المسلسل حسب تصريح للمخرج مراد الخودي، لكن تسارع حلقات المسلسل أبرزت الوجه البشع للبرجوازية (الوطنية) التي ترى أن الأرض حقها التاريخي الذي لا يمكن أن تتنازل عليه، هذه البرجوازية يمكن أن تكون رمزا للقيادات الحزبية التي أمسكت بزمام الأمور بعد خروج فرنسا، محتجة بماضيها التاريخي في تأطير مكونات الشعب المغربي في مواجهته للمستعمر، وأن لها سجلات حافلة في مقارعة المستعمر ومحاججته، وإرغامه على الخروج من بلد له تاريخ طويل في النضال والصمود، وهذا صحيح بلا شك، لكنه جزء صغير من الحقيقة، حقيقة جبل جليدي وسط محيط شاسع لا تظهر منه إلا قمته، وهو ما يقابله في المسلسل شخصية حكيم بن عمر(البرجوازية الصغيرة) الولد الوحيد للحاجة، فهو عمل بجهد كبير منذ صغره وكدَّ بصدق خالص إلى جانب أبيه لإقامة المعمل وبناء مجده، لكنه سرعان ما انقلب على إرث أبيه وضيّع كل ميراثه، لم يسلم منه إلاّ ميراث مسك الليل بأرضها ومعملها وفيلّاتها، وقد يوضح لنا هذا جانبا آخر من شخصية حكيم بن عمر ونواياه السيئة التي كانت ترافقه منذ صغره، نفس جشعة تريد أن تستحوذ على كل شيء لصالحها.

إن البرجوازية (الوطنية) في شخص حكيم بن عمر لا يمكن إلا أن تتحالف مع برجوازية أخرى قد تختلف معها في أصل التكوين والمنشأ لكنها برجوازية من طينتها تشترك معها في خصال كثيرة، برجوازية لا تعرف معنًى للاستعمار ولم تعايش الآلام والمخاضات في مواجهة المستعمر الفرنسي، لا تعرف شيئا عن التضحية ولا عن الوفاء والحب للأرض، همها الوحيد هو الربح والمال، منير هو ذلك البرجوازي الصغير القادم من خارج مسك الليل، يجهل كل شيء عن تاريخها، يرى هو أيضا أن له حق فيها، هذا الحق المكذوب لا يستطيع منير أن يحتكره إلا بتحالفه مع البرجوازية الوطنية، مستثمر كاذب له تاريخ لا بأس به في الجشع والغدر، لا يفكر إلا في نفسه وفي مصالحه بدرجة أولى، وإن كان على حساب حليفه الوحيد، المال هو أولى الأولويات تسقط أمامه كل شعارات الأرض والتاريخ.

تُعد الآلة الإعلامية مكونا أساسا في منظومة الصراع

فهي من تصنع الخبر وهي من تنشره بطريقتها وتخيطه على مقاسات محددة، تخدم مصالها ومصالح حلفائها، نتحدث هنا عن الصحافة المأجورة التي تستجيب لمن يدفع أكثر، التي لا تلتزم الصدق في نقل الخبر، ليست صحافة حرة كما ينبغي للصحافة أن تكون في التزام الصدق ونصرة القضايا الوطنية، ويظهر جليا أن يشخص دورَ صحافة مأجورة لا ذمة لها، شخصية بلعسري، تلك الشخصية المتقلبة المليئة بالتناقضات، حيث يظل نهاره كاملا في ظلم الناس وإيذائهم، في قمع زوجته واضطهادها لأتفه الأسباب، لكن سرعان ما تراه يحمل مصحفا يقرأ القرآن بخشوع بالغ، شخصية لم يسلم من شرها حتى أقرب أقربائها، أخته الصغيرة الصالحة.

سيكون لبلعسري دور محوري في ثنايا حلقات المسلسل، وسيصطف بشكل متوقَّع إلى جانب البرجوازية الهجينة في مواجهة أبناء بلده، هكذا حال الصحافة المأجورة، تخدم من يدفع أكثر، لا تضع اعتبارا للأصل والقرابة والانتماء، وأن يكون اعتماد البرجوازية عليها بشكل مباشر لم يأت من فراغ، بل راجع بالأساس إلى سلطتها في صناعة الرأي العام بشكل سحري يمكن أن يقلب الحقائق في ظرف وجيز، فقد قام بلعسري بإرغام الناس على مدافعة البرجوازية وطردها من مسك الليل بعد أن علم أن حصته من الصفقة لن تكون إلا دارا مثله مثل باقي مكونات أفراد الدوار، فاعتبر الأمر احتقارا مخزيا لمكانته وسط هذا المجتمع البدوي الصغير، وتجاهلٌ لدوره الرئيس في مدى قدرته على توجيه الرأي العام حيثما ما أراد هو أن يوجَّه، ولعِب بلعسري بهذه الورقة في الضغط على حلفائه البرجوازيين، فكان له ما أراد وصار بذلك شريكا مهما في الصفقة بعد أن كان مجرد مستفيد حاله كحال باقي (الغوغاء)، ثم بسرعة كبيرة استطاع أن يقلب توجه العوام ويقنعهم مرة أخرى بضرورة قبول مشروع البرجوازية، واستطاع بلعسري أيضا تأليب الدهماء لمهاجمة منزل (رحال، إسماعيل، رحمة)، وهنا سننتقل إلى مستوى آخر من مستويات الصراع داخل مسك الليل.

بعد أن اكتمل التحالف وصار جاهزا للهجوم

وبعد أن رفضت رحمة (المالكة الجديدة لميراث الحاجة) اقتراح البرجوازية للحل السلمي في تسليمهم الأرض، وظلت متشبثة بوصية الحاجة في حماية حقوق الساكنة ، قامت الصحافة المأجورة (بلعسري) في تأليب الساكنة ضد رحمة ومهاجمة منزلها بمعية أبيها وأخيها، متنكرين بذلك لتاريخ الحاجة وفضلها الكبير عليهم، هي نفسها الساكنة التي دافعت عنهم رحمة وأبت أن تُسلمهم لقمة سائغة لبطون البرجوازية، بدافع الحفاظ على الوصية، الوفاء للمبادئ كان شعار رحمة وأخيها وأبيها لم ترد أن تفرط فيه، لكنها استسلمت لضغط البرجوازية والصحافة المأجورة ولم تجد بُدّا من تسليم الأرض مع الحفاظ على الفيلا والمعمل.

هذا الموقف خلق شرخا بين الأسرة نفسها، إسماعيل شخصية مندفعة متحمسة لكنها لا تبيع مبادئها أبدا، في مقابل رحّال ذلك الأب الحكيم المتزن، الذي يُغلِّب صوت العقل في بناء المواقف، كلاهما رجلي المبادئ وصوتي العدالة من داخل الدوار، لكن إحقاق العدل يحتاج اتزانا ورؤية، الاندفاع والحماس قد يعود بالشر على صاحبه، ويظهر من خلال تتبع حلقات المسلسل أن رحال هو رجل المرحلة، لكنه بمعية ابنه يشكلان نظاما متماسكا لا يسقط أبدا.

إن دور السلطة (مؤسسة الدرك الملكي كشخص معنوي) في خضم هذا الصراع كان باهتا في خضم أحداث المسلسل، فهي لم تتدخل أبدا في الصراع الكبير بين البرجوازية والساكنة، بل ظهرت في مواقف تتعلق (بالشرف) في حادثتي (إسماعيل والصالحة) و(اتهام رحال باغتصاب الصالحة)، فكأن الرسالة هي أن السلطة لا شأن لها بصراع المال والأرض، كل صراع تكون البرجوازية طرفا فيه هو صراع لا يعني السلطة في شيء، ولكن في المقابل لا بد أن تثبت وجودها في قضايا الشرف التي تدخلت فيها بسرعة كبيرة بدعوى حرصها على تطبيق القانون، وباعتبار أن القانون فوق الجميع، وتدخَّل الدرك أيضا في قضايا اتهام بالقتل لأنها قضايا تهدد السلم المجتمعي، والسلطة لا يمكن أن تقبل بهذا أبدا، فعلاقة البرجوازية بالسلطة هي علاقة تتسم بالحذر الشديد، يحضر فيها التواطؤ أحيانا، فدور السلطة هو الانتصار للحق، الحياد في المعارك الكبرى يعد خيانة، اللاموقف هو موقف يخدم في غالب الأحيان الجهة الأقوى، وعودةً إلى حادثتي الشرف في قصة المسلسل، نلمح هنا مسألة مهمة جدا، وهي التشهير بالخصم الإديولوجي، واستهداف سمعة الأشخاص بتشويهها بشتى الطرق، هنا يحضر دور الصحافة المأجورة مرة أخرى في شراء الذمم وتلفيق التهم بعد العجز عن إيجاد ما يلطخ سمعة خصومها حقيقة.

إذا حضر منطق المال غاب دور الدين

المنوط به في تهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات، فقيه الدوار عبد الفتاح كان يحاول بين الفينة والأخرى إصلاح ذات البين وتحذير الناس من مغبة الجشع، الشيء الذي قوبل بالرفض بل بالصراخ والاحتجاج، حضور شخصية الفقيه في المسلسل لم يكن اعتباطيا، بل كان يروم إيصال رسالة قوية في أن الإنسان حين يبلغ به الطمع مبلغه، ينفك من ربقة كل الوصايا الدينية التي يحاول فقيه الدوار إبلاغها، بلهُ أن يستشير الفقيه في قضاياه الراهنة، وفي نفس الوقت لايمكن اعتبار موقف الفقيه موقفا سلبيا، لأنه انخرط في هموم الدوار وفي نصحهم وإرشادهم لكنه قوبل بالرفض والجفاء.

وأظهر لنا المسلسل زيجة معبرة بين الفقيه والمعلمة، والتي تعد أولى الزيجات الناجحة في المسلسل في إشارة إلى ضرورة تلازم الدين والمعرفة، فهذا هو الطبيعي الذي يجب أن يسود، وما يؤكد هذا الاتجاه هو قبول أب المعلمة رجاء بالفقيه بشكل سريع غير متردد بالرغم من كون هذا الأب من العائلات المحافظة التي ترفض زيجات خارج نطاق العائلة.

سنختم بشخصية قد يبدو لها حضور جانبي في أحداث القصة، لكن رمزيتها عميقة وبليغة، وهي شخصية أم هاني، هي تنتمي للطرف النقيض، بالرغم من إيمانها بالعدالة وتعاطفها المبدئي مع ساكنة الدوار، فهي إذا رمز (للمثقف) الذي ينتمي لمنظومة السلطة، يعبر من خلالها عن آرائه لكنه لا يستطيع الفكاك منها، كذلك أم هاني لا تستطيع التنكر لأخيها حليف البرجوازية الأول بالرغم من نقدها المستمر للحصار والتضييق والمؤامرة الذي يتعرض لها أهل مسك الليل، وجدت نفسها في قلب الصراع لا تستطيع الانحياز لأي من الجهتين، لكنها تظل مستمرة في البوح بآرائها عن حجم الظلم والاستبداد التي تقوده البرجوازية.

الخاتمة

تعد هذه القراءة المتواضعة لأحداث وشخصيات المسلسل، قراءة أولية ومحاولة بسيطة لتفكيك عمل درامي من هذا الحجم، وإذا كانت نهايات الشخصيات في المسلسل لم تتوافق بشكل كبير والرمزيات التي تجسدها، فذلك يعود إلى طبيعة السياق الدرامي الذي يصنع نهايات من هذا النوع.

إن هذا العمل لم يأخذ حقه عند النقاد السينمائيين ولا عند المشاهد المغربي، حسب نسبة المشاهدات المسجلة على تلفاز الأولى أو على اليوتيوب، وقد أردت من خلال هذا المقال تسليط الضوء على جوانب خفية تعطي للمسلسل جماليته وتفرُّدَه في تجاوز القصة والحبكة في العمل الدرامي إلى القدرة على الترميز والخروج بالعمل من ضيق خطية القصة إلى رحاب وأفق عوالم أوسع بكثير من من ذلك الدوار الصغير.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -